محمد متولي الشعراوي
524
تفسير الشعراوي
انظر إلى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى : « مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ » . . فكأن بعضهم فقط هم الذين كانوا يحاولون رد المؤمنين عن دينهم . . ولكن كانت هناك قلة تفكر في الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسّلام . . ولو أن اللّه جل جلاله حكم على كل أهل الكتاب لسد الطريق أمام هذه القلة أن يؤمنوا . . أي أن أهل الكتاب من اليهود يحبون أن يردوكم عن دينكم وهؤلاء هم الكثرة . . لأن اللّه تعالى قال : « وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ » . وقوله تعالى : « مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً » . . كفارا بماذا ؟ . . بما آمنتم به أو بما يطلبه منكم دينكم . . وهم لا يفعلون ذلك عن مبدأ أو عقيدة أو لصالحكم ولكن : « حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ » . . فدينهم يأمرهم بعكس ذلك . . يأمرهم أن يؤمنوا برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . . ولذلك فهم لا ينفذون ما تأمرهم به التوراة حينما يرفضون الإيمان بالإسلام . . والذي يدعوهم إلى أن يحاولوا ردكم عن دينكم هو الحسد . . والحسد هو تمنى زوال النعمة عمن تكره . . وقوله تعالى : « حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ » . . أي هذه المسألة من ذواتهم لأنهم يحسدون المسلمين على نعمة الإيمان . . ويتمنون زوال هذه النعمة . . التي جعلت من المسلمين إخوانا متحابين متكاتفين مترابطين . . بينما هم شيع وأحزاب . . وهناك حسد يكون من منطق الدين وهذا مباح . . ولذلك يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه اللّه مالا فسلّط على هلكته في الحق ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس ) « 1 » . فكأن الحسد حرام في غير هاتين الحالتين . . فكأن هؤلاء اليهود يحسدون المسلمين على دينهم . . وهذا الحسد من عند أنفسهم لا تقره التوراة ولا كتبهم . . وقوله سبحانه : « مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ » . . أي بعد ما تأكدوا من التوراة من شخصية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه النبي الخاتم . وقوله تعالى : « فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ » . . ما هو العفو وما هو الصفح ؟ . . يقال عفت الريح الأثر أي مسحته وأزالته . . فالإنسان حين
--> ( 1 ) رواه البخاري في العلم ومسلم في قصر الصلاة وابن ماجة في الزكاة وأحمد في مسنده .